عبدالله السيهاتي.. من صناعة النجاح إلى صناعة الأثر

 الكون بزنس - لندن


كتب/ محمد العيسى


مسيرة تتقاطع فيها ريادة الأعمال مع خدمة الإنسان، ويتحول فيها النجاح من إنجاز شخصي إلى إرث من القيم يمتد بين الأجيال


هناك مرحلة في حياة رجل الأعمال يصبح فيها السؤال الأهم ليس: كم بنى من الكيانات؟ بل: كم بنى من الإنسان، وكم ترك من أثر؟


ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة مسيرة رجل الأعمال الدكتور عبدالله علي السيهاتي؛ شخصية صنعت حضورها عبر سنوات من العمل والنجاح، ثم أخذت تجربتها تتجه بصورة أكثر وضوحًا نحو مساحة أرحب من عالم الأعمال: خدمة الإنسان والمجتمع، ونقل المعرفة والتجربة إلى الأجيال القادمة.


فالنجاح، مهما بلغ حجمه، يظل ناقصًا إذا بقي حبيس صاحبه، بينما تزداد قيمته حين يتحول إلى معرفة تُنقل، وخبرة تُشارك، ومبادرة تخدم، ويد تمتد للآخرين.


وهنا تبدو تجربة السيهاتي جديرة بالتوقف؛ ليس باعتباره رجل أعمال فحسب، وإنما باعتباره نموذجًا لرجل وصل إلى مرحلة من النضج في تجربته جعلته يمنح العمل الإنساني والاجتماعي مساحة متقدمة من وقته واهتمامه.


قبل أسابيع، حملت العاصمة البريطانية لندن محطة جديدة في مسيرته، حين حظي بالتكريم ونال جائزة الحكمة والإنسانية (Sapientia et Humanitas Award)، التي تحتفي بالحكمة والقيادة الأخلاقية والالتزام بخدمة الإنسانية من خلال المعرفة والرحمة والعطاء.


ولعل أهمية هذا النوع من الجوائز لا تكمن في الدرع أو اللقب الذي يضاف إلى سجل صاحبه، بقدر ما تكمن في المعنى الذي تمثله.


فعندما يصبح معيار التكريم هو الحكمة والإنسانية والقيادة الأخلاقية، فإننا نغادر المقاييس التقليدية للنجاح إلى مساحة أكثر عمقًا؛ حيث لا يُسأل الإنسان فقط عما حققه، وإنما عما قدّمه، ولا عما امتلكه، وإنما عما تركه في حياة الآخرين.


وهذه ربما إحدى أجمل المراحل في مسيرة أي رجل أعمال: أن ينتقل من صناعة النجاح إلى صناعة الأثر.

 «رسالة حياتي»… عندما يقرر صاحب التجربة أن يشاركها


وفي لندن أيضًا، جاءت محطة أخرى تحمل دلالة خاصة، مع تدشين كتابه الجديد «رسالة حياتي» ضمن AIMS 2026.


ولعل العنوان وحده يختصر الكثير.


فالكتاب يقدم رحلة قادتها الرؤية والإيمان والمثابرة والخدمة، ويطل من خلالها الدكتور عبدالله السيهاتي على جوانب من حياته وتجربته، بما حملته من نجاحات وتحديات ودروس وقيم، وما يأمل أن يتركه إرثًا للأجيال المقبلة.


والسيرة حين يكتبها صاحب تجربة طويلة لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة للماضي أو تعداد للنجاحات؛ قيمتها الحقيقية أن تتحول التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى رسالة، والرسالة إلى شيء يستفيد منه من يأتي بعدنا.


ومن هنا يبدو «رسالة حياتي» أكبر من مجرد عنوان لكتاب؛ إنه عنوان يصلح لقراءة مرحلة كاملة من مسيرة صاحبه.


فبعد سنوات من عالم الأعمال، تبدو الرسالة اليوم أكثر ارتباطًا بالإنسان: بخدمته، وبالمعرفة، وبالحوار، وبالمسؤولية الاجتماعية، وبالرغبة في أن تتحول حصيلة السنين إلى قيمة تتجاوز صاحبها.


وربما لا تكتمل صورة الدكتور عبدالله السيهاتي من خلال الجوائز والإنجازات وحدها.


فثمة قيمة أخرى لا تمنحها الجامعات ولا المؤسسات، ولا يمكن شراؤها مهما اتسعت الثروة: محبة الناس.


ويعرف المقربون من مسيرته وحضوره الاجتماعي عنه تواضعه وقربه من الناس، وبساطةً بقيت حاضرة رغم المكانة؛ وإيمانًا بأن قيمة الإنسان لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى.


وهذه الصفات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تصبح أكثر قيمة كلما ارتفعت مكانة صاحبها؛ لأن التواضع الحقيقي ليس أن يقلل الإنسان من إنجازه، وإنما ألا يسمح لإنجازه بأن يغيّر إنسانيته.


ولعل تفرغه المتزايد واهتمامه اليوم بالخدمة الإنسانية يمثلان امتدادًا طبيعيًا لهذه الشخصية؛ فالخبرة التي تراكمت في ميادين العمل تجد اليوم مساحة جديدة لتتحول إلى خدمة وعطاء وأثر اجتماعي.


غير أن هناك إنجازًا آخر يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الجوائز والاحتفاء الرسمي

 فمن السهل نسبيًا قياس نجاح رجل الأعمال بالأرقام والمشروعات، لكن هناك نجاحًا أكثر صعوبة لا يظهر في القوائم المالية: أن ينجح في نقل قيم المسؤولية والعمل إلى أبنائه.


وهنا يبرز الابن الأكبر نجيب بوصفه أحد النماذج الواضحة لاستمرار هذه المدرسة؛ فقد أصبح من الوجوه المميزة في جيل رجال الأعمال، ويتولى إدارة أكثر من كيان داخل المجموعة التجارية باحترافية ومسؤولية.


والقيمة هنا ليست في أن يكون الابن امتدادًا لاسم والده فقط، وإنما أن يكون قادرًا على حمل المسؤولية وتطوير ما تسلمه وصناعة حضوره الخاص.


فالاستدامة الحقيقية في الأعمال العائلية لا تتحقق بانتقال الملكية من جيل إلى آخر فحسب، وإنما بانتقال ثقافة العمل والانضباط والأمانة والمسؤولية.


وقد يكون من أجمل ما يحققه الأب في حياته أن يرى أبناءه قادرين على مواصلة المسيرة؛ لا لأنهم ورثوا نجاحه، بل لأنهم تعلموا كيف يصنعون نجاحهم ويحافظون على ما بُني قبلهم.


وتأتي ذكرى ميلاد الدكتور عبدالله السيهاتي هذه الأيام كمناسبة جميلة للوقوف أمام هذه المسيرة، دون حاجة إلى عدّ السنوات أو التوقف عند الأرقام.


فبعض أعياد الميلاد تكون مناسبة للتهنئة، وبعضها يمنحنا فرصة أعمق: أن نتأمل ماذا فعل الإنسان بالسنوات التي مُنحت له.


وبين عالم الأعمال، والتكريم في لندن، وجائزة تحمل اسمي الحكمة والإنسانية، وكتاب بعنوان «رسالة حياتي»، وحضور يتجه أكثر نحو العمل الإنساني والاجتماعي، وأبناء يحملون المسؤولية ويواصلون المسيرة؛ تبدو الصورة أكبر من مناسبة عابرة.


إنها صورة رجل أدرك، بعد رحلة من الإنجاز، أن هناك ما هو أبقى من نجاح المشروع وأطول عمرًا من أي منصب أو لقب: الأثر الطيب في الإنسان.


ولعل أجمل ما في «رسالة حياتي» أن الرسالة لم تبقَ بين دفتي كتاب؛ فقد كتب عبدالله السيهاتي جزءًا منها في أعماله، وجزءًا في علاقته بالمجتمع، وجزءًا في خدمة الإنسان، وكتب فصلًا بالغ الأهمية منها في أبنائه الذين يحملون اليوم المسؤولية ويواصلون المسيرة.


وفي ذكرى ميلاده، تأتي التهنئة بحجم المعنى لا بحجم المناسبة:


دمت يا أبا نجيب في صحة وعطاء، ودامت السنوات القادمة مساحة أوسع لخدمة الإنسان.


فبعض الأعمار تُقاس بالسنوات، وبعضها يُقاس بالإنجازات


أما الأعمار التي تستحق أن تُروى، فتُقاس بالأثر.


أخر إصدار من مجلة الكون بيزنس
تويتر
LinkedIn
Poll

هل ترى أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة أعمال الشركات؟

نعم

86%

لا

14%

نعم

لا

مع أم ضد التعليم عن بعد؟

نعم

75%

لا

25%

نعم

لا

Do you have iPhone 12

نعم

46%

لا

54%

نعم

لا

جميع الحقوق محفوظة للكون بزنس © 2023